الرئيسية » مقالات رأي » بداية النهاية للنخبة السياسية المتعفّنة في تونس ..
sahbi

بداية النهاية للنخبة السياسية المتعفّنة في تونس ..

رغم تحفظاتي ومؤاخذاتي الشخصية على أداء المؤسسة الأمنية عموما ونقاباتها خصوصا قبل وبعد الثورة في تونس فإنّه لا فائدة من التذكير بمآثر جلاديها وفاسديها الذين أزكموا أنوفنا بوطنيّتهم في المنابر والندوات الصحفية بعد الثورة .. ولكن .. والحق يُقال أنّ شرفاء هذا القطاع ما زالوا يبتلعون ألسنتهم خوفا من أن تُجرفهم بذاءة ورداءة وشراسة المستنقعات الآسنة التي نشأت منها أصوات النّشاز النضالي ..
لن أعود إلى الطسطيكة والعضلات المفتولة التي يتميّز بها بوليس العهد البائد الذي إختار تسلّق السلّم الوظيفي بالقوادة وأداء المهمات القذرة والولاء للسياسة الزجريّة التي إنتهجها المخلوع في محاربة خصومه السياسيّين الذين رفضوا دخول بيت الطاعة النوفمبرية ممّا فتح باب الإستبداد والتجنّي على حقوق المواطن مهما كان إنتماؤه السياسي طوال أكثر من عقدين كانت كافية لإنهيار منظومة دكتاتورية البوليس أمام الزحف الشعبي الذي أربك كيانات آدميّة متوحّشة ..
وما زال التّاريخ يذكر إختفاء وجوه كلّ من كان يتّخذ من البهرج والهيلمان والغطرسة أسلوبا في حياته ومعاملاته حين كان يركب سيّارة إداريّة تابعة لوزارة الداخلية أو حين كان يدخل مقر مركزيّة الورم الوطني تحت تحيّة عسكريّة من منظوريه ليبادلهم بكلّ أنفة وكبرياء مزيّف نظرة إحتقار .. نسي هذا المسؤول الأمني أنّه كان يختفي في مكتبه وراء أسطول من الحرّاس والحجّاب والمستكتبين وحسنوات مدخل الإستقبال ليحسّ برجولة يفتقدها خارج هذا الإطار حين تنعله زوجته جهرا ويتطاول عليه إبنه علنا وتحتقره إبنته أمام الجيران والأصدقاء وفي بعض الأحيان أمام زملائه ومنظوريه ..
فقد زالت هذه المرحلة وولّت ولن يعود هذا الزمان الذي عانى فيه الشعب ويلات القهر والإستبداد البوليسي الذي طال أيضا حريّة وكرامة شريحة لا يُستهان بها من جهاز الأمن التي كانت تقبل عن مضض بل ترفض في بعض الأحيان إنجاز عديد المهمات القذرة بالتمارض والتغيُب والأداء السلبي ليكون زجرها بالإجراءات الإداريّة التأديبيّة التّنكيلية ..
وما يقودني إلى هذه اللّمحة التّذكيرية ما لاحظته في المدة الأخيرة من تنطّع إحدى النقابات الأمنية على إتفاقات سابقة كانت محل تفاوض ونقاش مع سلطة الإشراف في خصوص مستلزمات زيادات في أجور أعوان وضباط قطاع الأمن .. وفي الحقيقة والواقع .. فقد إنقلب السحر على الساحر .. حيث بعد أن سمح البجبوج بالنشاط القانوني للنقابات الأمنيّة بعد الثورة تولّى أباطرة الفساد المالي والإجرام السياسي تبنّي مستلزمات بعض النقابات التي تحوّلت إلى مدافع ومراوغ شرس يناور عديد مكوّنات المجتمع المدني المطالبة بتحصين الثورة والمحاسبة من أجل المصالحة الوطنيّة الشاملة مع رموز الإنتهاكات والتجاوزات في العهد البائد ..
وإذ يدخل أداء بعض النقابات الأمنيّة في إطار التشويش وعرقلة نشاط مؤسسات الدولة أمام الإنحرافات التوظيفيّة لعناصر محسوبة على الجهاز الأمني فإنّ ذلك لا يخلو من عزم بعض الأمنيّين الدفاع على مصالح زملائهم المهنيّة والإجتماعية بكامل المصداقيّة والشفافيّة ..
ولكنّ المنابر الإعلاميّة التي دخلت على الخط في نفخ صورة نكرات إنتهازية جعلت منها بعد الثورة عناوين نقابية أمنيّة رغم ثقل ملفاتهم الإدارية في ميدان التجاوزات والإنحرافات وتسويق تسريبات الوثائق الأمنية السرية للإثارة والتضليل في برامج القنوات التلفزية .. لذلك فإنّه من الواجب المتأكّد أن تساهم النقابات الأمنيّة في التخلّص من وجوه في جهاز البوليس والحرس أساءت للقطاع في الحقبة النوفمبرية وما بعدها وما زالت لا تستحي بإلقاء وجهها بعد الثورة أمام الأضواء الكاشفة دون إعتذار ودون إعتراف بالذّنب ظنّا منها أنّها بمثل هذا التطاول على ضحاياها يمكنها التفصّي من مسؤولياتها الإجرامية السابقة في العهد البائد ..
ولا بدّ من التّذكير في هذا المجال أنّ العفو التشريعي العام الصادر بعد الثورة في أول مرسوم بتاريخ 19 فيفري 2011 قد تمتّع به خصوصا أباطرة جهاز الأمن والمتسلّقين في دواليب الدولة حيث تضاعفت أجورهم وترقياتهم وإمتيازاتهم الوظيفية دون أن يلحق لضحايا المحاكمات الجائرة والقتل والتعذيب والإختفاء القسري والتشريد وقطع أبواب الإرتزاق في العهد البائد ما يُعيد الإعتبار ويحفظ كرامة من داسته ماكينة الموت البطيء في دكتاتورية البوليس علاوة عمّا يعانيه جرحى الثورة من مهانة في إستجداء حقّ التداوي والعلاج من تداعيات نيران بوليس المخلوع وجيش المخلوع ..
لم نسمع صوت إعتذار وتعبير عن الندم فيما حدث بين أبناء البلد الواحد والدين الواحد واللغة الواحدة .. لقد نجحت النخبة المتعفّنة في السلطة السياسية بعد الثورة في تقسيم الشعب بين مؤمن وكافر وبين ثوري وزلم وتقدمي ورجعي و .. و .. بعد أن نادى الجميع في يوم ما بصوت واحد “ديقاج” و “شغل – حرية – كرامة وطنيّة” ليختفي البوليس عن الأنظار مدة أربعة أشهر أو أكثر بعد 14 جانفي 2011 شعورا منه بعقدة الذنب فيما حصل وفاتحا المجال لقوات الجيش الوطني لتكون حامية للثورة ومساندة لتطلّعات الشعب في الإنعتاق من سياسة الإستبداد والإضطهاد النوفمبري ..
ولكن بعد أن تناقلت القنوات التلفزية دموع البوليس إثر هروب المخلوع للتعبير عن ندم أعوانه وضباطه في قمع الإحتجاجات الجماهيرية وما سال فيها من دماء ودموع للمتظاهرين كان الجميع ينتظر من جهاز البوليس مرونة في التعامل مع المواطن وتغييرا جذريا في سلوكيات الأمن مع شعب قرر الإنعتاق من عبودية الإستبداد والإضطهاد .. ولكن ما لبثت حليمة حتّى عادت إلى عادتها القديمة بعد أن تسلل أباطرة الإجرام السياسي وبارونات الفساد المالي إلى إحتواء النقابات الأمنية لتوظيفها في إطار معاول ثورة مضادة تعبيرا عن حنين لسنوات الجمر التي تشظّى بنيرانها كل من خرج عن بيت الطاعة النوفمبرية ..
برزت أربعة نقابات أمنية لا تعبّر في مجملها عن إنشغالات وتطلعات جهاز الأمن وإحترفت بعض هيئاتها الإبتزاز في حين هرول بعضها الآخر إلى تنفيذ أجندات لا علاقة لها بالنشاط النقابي وتورّطت أطراف أمنية في العمالة والإبتذال لدوائر أجنبية حتّى أصبح بعض النقابيين الأمنيّين يتطاولون في المنابر الإعلامية ويهددون الشعب بإستعمال السلاح ضده متناسين أنّ هذا السلاح ملك الشعب وبأموال الشعب ..
أصبحت النقابات الأمنية عبءا على مكوّنات المجتمع المدني بما أنّها تحوّلت إلى حزب سياسي مسلّح غير معلن يهدّد الإستقرار والسلم الإجتماعي خاصة وأنّ في جرابها عديد التجاوزات التي تراوحت بين مداهمة مكتب وزير الداخلية ثم مكتب الوزير الأول .. إلى إنتهاك حرمة القضاء .. إلى التطاول على رؤساء الترويكا .. إلى نصب خيام إعتصام أمني في الجهات .. إلى إجتياز مكتب رئيس الدولة في قصر قرطاج .. إلى التجمهر في ساحة قصر الحكومة بالقصبة وإقتلاع موافقة على طلبات نقابية مجحفة ومبطّنة دون الرجوع إلى القواعد أمام حالة طوارئ في بلاد تعاني من أزمة إقتصادية حادة ..
كلّ ذلك حدث أمام تعثّر العدالة الإنتقالية لتعطيل مرحلة الإنتقال الديمقراطي التي يخشاها أباطرة الإجرام السياسي وبارونات الفساد المالي الذين جعلوا من الأمن أداة لحماية الفساد والمتطاولين على الشعب ومؤسسات الدولة في المنابر التلفزية بعد أن تخندقت العصابة الغنوشية صلب حركة النهضة في مجال التوافق المزعوم مع نداء تونس في إطار تسوية تمنع محاسبة المتسببين في الوضع الراهن من أنذال قبل وبعد الثورة ..
وبما أنّ ذئاب صالونات المكائد والدسائس النوفمبرية تتقن فنون إدارة لعبة الإلتفاف على إستحقاقات الثورة التي وقف وصفّق لها كبار العالم فقد دخلت ثلاث نقابات أمنيّة إلى بيت طاعة العمالة مع الأجهزة المخابراتية الأجنبية لتحويل جهاز الأمن إلى فيالق من المرتزقة في حين رفضت نقابة قوات الأمن الداخلي الإنصياع إلى مشروع التوظيف في خيانة الوطن والشعب وعبّرت بطريقتها عن عدم القبول بلعب دور المرتزقة في صراع إقليمي تديره مخابرات شركات أجنبية متعددة الجنسيات من أجل الإستحواذ على مصادر الطاقة في منطقة المغرب العربي الكبير .. ولأنّ قيادة حركة النهضة عادت من المهجر بعد غربة قسرية بتعليمات من دوائر أجنبية لتنفيذ مخطط إقامة الهلال السنّي المخابراتي إنطلاقا من تونس بعد الثورة من أجل تأمين مصالح الدول العظمى بعيدا عن نيران الصواريخ الإيرانية الموجهة إلى القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج العربي فإنّ التّنازلات السياسية التي قامت بها القيادة الغنوشية لا تؤثّر في نسق المعادلة المحلية القائمة طالما أنّ القرار السيادي مفقود في تقرير مصير البلاد والعباد .. لذلك وفي إطار إضرام لهيب الفوضى الخلاقة فقد وجب على “ناس تخاف ربي” تأجيج فتنة في جدار الصد الأمني والعسكري في تونس وذلك بإختلاق أسباب الأزمة والفوضى التي تُشعلها التناحرات القطاعية أمام حاضنة شعب نال منه الإحباط والإحتقان وخيبة الأمل من أوصياء الثورة ما يجعله سهل التطويع والتوظيف أمام التضليل الإعلامي وأبواق المخاتلة المأجورة ..
تعالت في المدة الأخيرة أصوات عديدة لتحريض قوات الجيش الوطني على إستعمال القوة ومداهمة الإعتصامات الأمنية في الجهات وتقليع خيامها عنوة .. كما لم تخجل النخب السياسية المتعفنة من الدعوة إلى فك التجمهر الأمني في ساحة القصبة بعد مداهمة قصر الحكومة وذلك بإطلاق النار من طرف العسكر على المتظاهرين الأمنيّين التابعين لنقابة قوات الأمن الداخلي .. ولكنّ الحكمة إقتضت التّريّث وضبط النفس من هذا المنزلق الخطير الذي يدعو صراحة إلى التدخّل الأجنبي وبسط عهد حماية جديد ووصاية تقودها أطراف متربصة ببلادنا ..
ولا يفوت التّذكير في هذا الصدد أنّه توجد في تونس لوبيات فاسدة ومجرمة في حق الشعب والوطن ما إنفكّت تعمل على المحافظة على درجة معيّنة من التّوتّر والإحتقان السياسي والإجتماعي تضمن من خلاله مناعة حصانتها في التجاوزات والإنتهاكات التي تجعلها محلّ تتبّع قضائي بعد الثورة .. لذلك دخلت صناعة الإرهاب على الخط لإستثمارها في تأجيل كشف جميع أوراق بارونات الفساد المالي وأباطرة الإجرام السياسي التي تمعّشت من إستبداد الحقبة النوفمبريّة كما كان لرموز الترويكا دورا في الحصول على غنيمة الثورة بالفساد وإستغلال النفوذ والتخندق في العمالة والمقايضات الخسيسة التي جعلت من تونس ريادية في تصدير الإرهاب وريادية في الفساد أمام وضع إقتصادي متأزم ومناخ سياسي متشرذم بحكومة فاشلة وعاجزة عن إدارة الشأن العام لأنّ غاية لفريقها ليست سوى إستدامة وضع لقيط في تونس لحماية الفاسدين والمجرمين في حق البلاد والعباد وإفتعال الأزمات ليناحر الجيش والأمن بعد دفع الشعب في مواجهات مع النقابات الأمنية وخاصة منها قوات الأمن الداخلي لتنفيذ برنامج الفوضى الخلاقة الذي يؤدّي حتما في حرب أهلية نخرّب من خلالها بلادنا بأيدينا من أجل نصرة أوباش من العملاء أطلقوا على أنفسهم صفة النخبة السياسية ..
إنّ الدعوة للتّظاهر ضد النقابات الأمنيّة في العاصمة تونس يوم السبت 5 مارس 2016 يقودها قطيع من مرتزقة المعبد الأزرق في “مون بليزير” يتحاشى تجييش الشعب ضد الفساد والإرهاب وذلك لدعم حكومة الأيادي المبتورة التي فرضتها مشاورات وتعليمات السفارات لتأزيم الوضع في تونس وتنفيذ أجندا أجنبية تتجاوز حدود بلادنا تلبية لنزوات ومصالح كبير الكهنة راشد الغنوشي وحاشية الخونة والعملاء التي يطبّل لها إعلام مأجور فاقد للوعي السياسي و”داخل في الربح خارج من الخسارة”.. لذلك فقد وجب على الشعب ألاّ يدخل صراع لوبيات فاسدة لا دخل له فيه وأن يكفّ عن إستعماله “كبش نطيح” لأنّه لا يُرجى خيرا من عصابة شيوخ بول البعير التي تباهى زعيمها أخيرا بالغارة الأمريكية على صبراطة بعد أن بعث بشباب تونس إلى محرقة الجهاد في ليبيا وسوريا وجاء الوقت للتخلّص منهم خارج الوطن حتّى لا تنكشف جرائمه المكشوفة وحقده الدفين على تونس والتونسيّين ..
سوف يكون الغائبون الأوائل والأساسيّون في مظاهرة يوم السبت 5 مارس 2016 المحرّضون على تنظيمها والدّافعون إلى المواجهة بين الشعب وجهاز الأمن .. لذلك فقد وجب على العاقل أن يترك الفخّار يكسّر بعضه ليتيقّن العميل الإستخباراتي رقم واحد راشد الغنوشي أنّ الشعب التونسي ليس قطيعا وليس معولا في صراعات الخيانة والعمالة وأنّ حق النشاط النقابي لجهاز الأمن وغيره مكفول بالدستور الذي ناهزت قيمة كلّ فصل منه ما يفوق مبلغ مليون دينار من أموال الشعب التي لن تذهب سدى ..
وعليه فقد وجبت مساندة النقابات الأمنيّة لإنقاذها من تغوّل النخبة السياسيّة المتعفنة التي تريد من قوات الأمن الداخلي أن تكون عصا غليظة في يد الشيخين قصد تمرير السم في الدسم لحماية الفاسدين والعملاء وتطويع كلّ من يخرج عن بيت طاعة المعبد الأزرق في “مون بليزير” ..
ويبقى الحساب بين ضحايا سنوات الجمر والبوليس بعيدا عن جميع الصراعات الحزبية المصلحية ومفتوحا لأجل لاحق دون أن يكون للعصابة الغنوشية دورا لها فيه .. لأنّ كل واحد يعرف صاحبو .. بما أنّ قيادة حركة النهضة تصالحت مع خصوم الأمس من التجمعيّين والجلاّدين دون الرجوع إلى قواعدها وتخلّت عن دماء وأرواح ودموع ومعاناة أتباعها وأنصارها في الحقبة النوفمبرية علاوة عن تنازلها على دماء شهداء وجرحى الثورة .. وما عليها إلاّ التّخلّي عن نفاقها وإزدواجية خطابها والعدول عن مواصلة الإختفاء في مستنقعات الشقاق وذلك بمواجهة النقابات الأمنيّة بقطيعها المبتذل الذي لا يمثّل الشعب التونسي ..
ومهما يكن من أمر فإنّ سلوكيات جهاز الأمن ليست إلاّ إفرازا من إفرازات المجتمع التونسي الذي يشتمل على طيف من المواطنين فيه من المليح إلى القبيح .. فلا فائدة إذن تُرجى من الزجّ بأجهزة الأمن والقضاء في صراعات تقوم بتحويل الإنتظارات الجوهرية عن تحوير وزاري أكيد للخروج من الأزمة الحالية وليس بالهروب إلى الأمام لتمديد الوضع الراهن المتردّي بإختلاق الذرائع الواهية ..
د. الصحبي العمري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

téléchargement

داعش لا تستطيع هزم شعب تذوّق الحريّة..

لن نخوض في التّفاصيل ذات الطّبيعة الأمنيّة…ولكن ما فهمه الأمنيّون والعسكريّون خلال معركتنا الدّائرة ضدّ ...

Powered by novavision-it.com